أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

السعودية تدشن حقبة «اليمن اليمني»... والرسالة وصلت !

في لحظة مفصلية من مسار الأزمة اليمنية، دشّنت المملكة العربية السعودية ما يمكن وصفه بحقبة «اليمن اليمني»، وهي رسالة سياسية واضحة المعالم مفادها أن اليمن ليس ساحة مفتوحة للعبث أو لتصفية الحسابات الإقليمية، بل ملف استراتيجي تمسّ المملكة أمنه واستقراره، ولا يمكن القبول بتحويله إلى رهينة بيد المليشيات أو أصحاب الأجندات الضيقة.

الحسم السعودي لم يكن عسكرياً بقدر ما كان سياسياً وأخلاقياً، إذ أكّدت الرياض أن حماية اليمن تعني صون استقلال قراره، والحفاظ على وحدته الاجتماعية، وتمكين أبنائه من تقرير مستقبلهم بعيداً عن الابتزاز المسلح أو الوصاية الخارجية. ومن هذا المنطلق، شدّدت المملكة على أن أي حل لا يمكن أن يكون إلا «يمنياً يمنياً»، عبر الحوار والتوافق، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة.

لقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في تعامل السعودية مع أزمة حضرموت الأخيرة. فبدل الانجرار إلى منطق الاستقطاب أو دعم طرف على حساب آخر، تعاملت الرياض مع الأزمة بوصفها شأناً يمنياً داخلياً يتطلب الاحتواء لا التصعيد. تحركت مبكراً، وفتحت قنوات التواصل مع القيادات المحلية والاجتماعية، واحترمت خصوصية حضرموت كركيزة استقرار، رافضةً تحويلها إلى ساحة صراع أو منصة نفوذ لأي جهة مسلحة.

وكانت الرسالة السعودية في هذا السياق حاسمة: الأمن لا يُبنى بالمليشيات، ولا بتغليب طرف بالقوة، بل عبر مؤسسات الدولة، والتوافق المجتمعي، واحترام إرادة أبناء المحافظة. وهو ما عرّى الدور السلبي لبعض الأطراف، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، الذي حاول توظيف الأزمة ضمن حسابات خارجية، بما يهدّد النسيج الحضرمي ويقوّض فرص الاستقرار.

إلى جانب الدور السياسي، أدركت المملكة أن الاستقرار لا يتحقّق دون معالجة الجذور الاقتصادية والإنسانية للأزمة. لذا جاءت حزم المساعدات السعودية لليمن ضمن رؤية شاملة، تستهدف تحسين معيشة المواطن، ودعم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والطاقة، وتمكين الاقتصاد المحلي. فالفقر واليأس هما الوقود الحقيقي للصراعات، وأي مشروع سلام لا يضع الإنسان في صلب أولوياته محكوم عليه بالفشل.

هذه المساعدات لم تعزز فقط صمود المجتمع اليمني، بل دعمت حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأضعفت منطق السلاح والفصائل، في انسجام واضح مع الموقف السعودي الرافض لأي كيانات مسلحة خارج إطار الدولة، مهما كان غطاؤها السياسي.

ولم تقتصر جهود المملكة على الداخل اليمني، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث لعبت دوراً دبلوماسياً فاعلاً في شرح تعقيدات المشهد اليمني، وإيصال الصوت اليمني الحقيقي. ففي المحافل الدولية، أكدت الرياض عدالة المطالب الجنوبية بوصفها قضية سياسية واجتماعية، مع رفض اختزالها أو احتكار تمثيلها من قبل أطراف مسلحة. تصريحات مندوب المملكة في الأمم المتحدة عبدالعزيز الواصل جسّدت هذا النهج القائم على الحلول السلمية، واحترام سيادة اليمن، ورفض تحويله إلى ساحة نفوذ.

هكذا، تؤسّس السعودية لمرحلة جديدة عنوانها: يمن مستقل، قراره بيد أبنائه، ومستقبله يُصاغ بالحوار لا بالبندقية. وهي رسالة وصلت، وستظل ترسم ملامح الطريق نحو يمن آمن ومستقر.

23:59 | 21-01-2026

وهكذا نعلن: بين بحرين يتشكّل مستقبل العالم..

وسوف نعلم أن البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين ثلاث قارات، بل هو بحق «أبو البحار» وأحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم. فمنذ العصور القديمة، كان هذا البحر مركزاً للتجارة والحروب وتبادل الثقافات، وسبباً مباشراً في صعود وسقوط الإمبراطوريات. السيطرة عليه لم تكن يوماً مسألة ثانوية، بل كانت شرطاً أساسياً لبناء النفوذ والاستمرار في قيادة النظام الدولي.

ولا تقل أهمية البحر الأحمر عن نظيره الأبيض المتوسط، إذ يمثّل شرياناً حيوياً يربط الشرق بالغرب عبر باب المندب وقناة السويس. هذا البحر يتحكم في حركة التجارة العالمية، خاصة تجارة الطاقة والبضائع القادمة من آسيا إلى أوروبا. ولهذا فإن استقراره أو اضطرابه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد.

إن البحرين الملونين؛ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، يتوقف عليهما مصير المنطقة ككل، كما تتشكّل حولهما تحالفات المستقبل والاستراتيجيات القادمة. وفي حال اندلاع صراع كبير بين القوى العظمى، مثل الصين والولايات المتحدة، فإن هذين البحرين سيكونان مسرحاً رئيسياً لإدارة الصراع غير المباشر. فلا يمكن لروسيا أن تصبح قوة عالمية مؤثرة دون موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط، ولا يمكن للمشروع الصيني الضخم، المعروف بطريق الحرير، أن يحقّق أهدافه دون ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وتتداخل مع هذه المعادلة قضايا حيوية أخرى، مثل سد النهضة، الذي يمثّل مثالاً واضحاً على استخدام الموارد المائية كأداة استراتيجية. كما تعيد حكايات السد العالي إلى الأذهان كيف يمكن لمشروع مائي واحد أن يغيّر موازين القوة، ويعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن القومي.

ويؤكد التاريخ أن الإمبراطوريات الكبرى لم تنجح إلا عندما سيطرت على البحر الأبيض المتوسط، سواء عبر الأساطيل العسكرية أو النفوذ التجاري. واليوم، نشهد تزاحماً واضحاً بين روسيا وأمريكا وحلف الناتو وإسرائيل، حيث تتنافس هذه القوى على القواعد العسكرية وخطوط الطاقة والممرات البحرية. هذه المحاولات المتسارعة للسيطرة سيكون لها تأثير مباشر على خريطة المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي في البحر الأحمر كدور متميّز وعقلاني، يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. فالمملكة تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاستراتيجي. كما تبرز أهمية التنسيق السعودي المصري، خاصة أن السعودية تعد أكبر دولة مطلة على البحر الأحمر، ما يجعل حماية هذا الممر الحيوي ضرورة لأمن الطاقة وضمان استقرار أسواق النفط العالمية.

00:06 | 15-01-2026

في السياسة والتحالفات: البحر.. وما أدراك ما البحر!

الجغرافيا تتغيّر ولكن البحر حقيقة ثابتة. هذا ما تراه وأنت تنظر إلى خريطة العالم، متأملاً حدوده، متفحصاً مواقع النفوذ، ومكامن الخطر، باعتبار أن البحار أكثر من مجرد مسطحات مائية، بل هي أحد أعمدة القوة في النظام الدولي، ودليل نفوذ وفاعلية في العلاقات الدولية. الممرات البحرية لم تعد مسألة جغرافيا فقط، وإنما تحوّلت إلى عنصر مركزي في معادلات الأمن القومي، والاقتصاد السياسي، وصناعة النفوذ. ومن هنا ظهر مصطلح «الدول الحبيسة»؛ ليعبّر عن حقيقة سياسية قاسية: الدولة البعيدة عن البحر غالباً ما تكون بعيدة عن التأثير العالمي.

وبصفتي باحثاً في العلاقات الدولية، تستوقفني دائماً النظريات التي لا تبقى حبيسة الكتب، بل تجد لها صدى واضحاً على أرض الواقع. ومن أبرز هذه النظريات تلك التي ربطت بين السيطرة على البحر وصعود القوى العظمى. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وضع ألبرت ثاير ماهان الأساس الفكري للاستراتيجية البحرية الحديثة، حين أكد أن القوة البحرية هي مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري. فالدول القادرة على حماية طرق التجارة البحرية، وتأمين أساطيلها، وفرض حضورها في البحار، هي دول تمتلك أدوات الردع والتأثير.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها اليوم في ظل حقيقة أن أكثر من 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر. فالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، قناة السويس، ومضيق ملقا تمثل نقاط اختناق حيوية، يمكن لأي اضطراب فيها أن يهز الاقتصاد العالمي. ولذلك، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها البرية، بل بقدرتها على تأمين هذه الشرايين البحرية أو تهديدها.

إلى جانب التجارة، يمثّل البحر مجالاً حيوياً للأمن القومي. فالدول الساحلية تواجه تحديات متزايدة، من القرصنة إلى تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، ما يجعل السيطرة البحرية ضرورة لحماية السيادة الوطنية. كما أن البحار تزخر بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى الثروة السمكية والمعادن النادرة، وهو ما يفسر تصاعد الصراعات حول الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

في هذا السياق، قدّم نيكولاس سبايكمان رؤية جيوسياسية أكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر، من خلال نظريته حول «الهلال الخارجي» أو Rimland. فعلى خلاف ماكيندر الذي ركّز على قلب اليابسة، رأى سبايكمان أن السيطرة على المناطق الساحلية المطلة على البحار هي مفتاح الهيمنة العالمية. هذه المناطق تجمع بين الكثافة السكانية، والموارد الاقتصادية، والوصول إلى الممرات البحرية، ما يجعلها مركز الثقل الحقيقي في السياسة الدولية.

ولعل تطبيقات هذه النظرية تتجلى بوضوح في الاستراتيجيات الأمريكية، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها، حيث شكّلت التحالفات البحرية، وحماية الممرات الدولية، وانتشار الأساطيل، أدوات رئيسية لإدارة التوازنات العالمية.

وهذا يعني أن البحر ليس مجرد خلفية جغرافية للصراع الدولي، بل هو أحد ميادينه الأساسية. ومن يسيطر على البحر، يملك مفاتيح التجارة، والأمن، والتحالفات، وبالتالي يقترب أكثر من فهم كيف يُحكم العالم.

00:01 | 8-01-2026

تلك الليلة الطويلة.. «ووترغيت» حيث قصة القصص..!

لطالما كانت وظيفة الإعلام هي الدوران حول محور الأزمات، ومحاولة صناعتها، أو استخدامها والبناء عليها، ذلك أنه لا يمكن وجود إعلام حقيقي دون وجود أزمات، وإلا أصبح مجرد إعلام دعائي لا وهج له، ولا لون، ولا رائحة. حين نتذكر الأزمات العالمية الكبرى نجد أن الإعلام كان له دور كبير، في الصورة الكبيرة، سواء من خلال كشف قضية معينة، أو إعادة بعثها من جديد.

لا يمكننا أن ننسى واحدة من أعظم القصص الصحافية المهمة، التي تحوّلت إلى بركان كبير، وأزمة لا تنسى في تاريخ الصحافة العالمية. إنها فضيحة «ووترغيت» ودور «واشنطن بوست» في كشف هذه الأزمة وصناعتها.

لقد تحوّلت تلك القصة إلى واحدة من ألمعيات الدهر في عالم الصحافة، ودليل راسخ وباقٍ حول أهمية الإعلام بالنسبة للأزمات والعكس. ففي تلك الليلة يتلقّى بوب وودورد اتصالاً مزعجاً في ليلة عطلته، وبعدها تبدأ ساعة الرمل في التسرّب قصصاً وحكايات!

هذه القصة والكثير مما يشبهها تؤكد كيف أن الإعلام أصبح واحداً من أهم أدوات القوة الناعمة في العصر الحديث، إذ لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً رئيسياً في تشكيل الوعي، وصناعة الرأي العام، وإدارة الأزمات، والتأثير في القرار السياسي داخلياً وخارجياً. وتنطلق مقولة إن «الإعلام يعيش ويتغذى على الأزمات» من واقع عملي يؤكد أن الأزمات تمنح الإعلام حيويته وتأثيره، بينما يمنحها الإعلام بدوره الزخم والامتداد والتأثير.

فالتاريخ الإعلامي حافل بأمثلة تؤكد هذا الترابط، ولعل فضيحة «ووترغيت» نموذج بارز على قدرة الإعلام على تحويل حدث محدود إلى أزمة سياسية كبرى أطاحت برئيس الولايات المتحدة، ما يبرز دور الصحافة كسلطة رقابية وكقوة ناعمة قادرة على إحداث تغيير عميق دون استخدام القوة الصلبة. ومن هنا يتضح أن الإعلام لا يكتفي بتغطية الأزمات، بل يشارك في صناعتها، وإدارتها، وتفسيرها، بل وحتى في مرحلة ما بعد انحسارها.

ويبرز دور الإعلام في الأزمات عبر مراحل متعددة، تبدأ بإدارة القضايا من خلال مراقبة البيئة وجمع المعلومات، ثم التخطيط لمنع الأزمات عبر بناء استراتيجيات اتصال وقائية، وصولاً إلى إدارة الأزمة ذاتها من خلال التدفق المستمر للمعلومات، وتوعية الجمهور، وشرح أبعاد الأزمة وآثارها. ولا ينتهي هذا الدور بانتهاء الأزمة، بل يستمر في مرحلة ما بعد الأزمة عبر تقييم الأداء، واستخلاص الدروس، وبناء استراتيجيات تمنع تكرارها مستقبلاً.

وعلى الصعيد السياسي، تمثّل الدعاية السياسية إحدى أبرز وظائف الاتصال السياسي، حيث تستثمرها الدول داخلياً لتعزيز الشرعية وبناء الولاء، وخارجياً لتحسين الصورة الذهنية وتبرير السياسات الخارجية. وقد أثبتت الدراسات أن وسائل الإعلام، رغم أنها لا تصنع القرار السياسي مباشرة، فإنها تلعب دوراً حاسماً في ترتيب أولوياته، وتسويغه أمام الجمهور، لا سيما في الأنظمة الديمقراطية.

أما في حروب المستقبل، فقد تراجع دور القوة العسكرية المباشرة لصالح القوة الناعمة، وفي مقدمتها الإعلام. فالحروب الحديثة تُدار بالعقول قبل الميادين، وتُكسب الشرعية عبر الشاشات قبل ساحات القتال. وقد شكّل دور وسائل الإعلام، مثل شبكة «CNN» في حرب الخليج، مثالاً واضحاً على كيفية توظيف الإعلام لتبرير الحروب وتوجيه الرأي العام العالمي. كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي سلاحاً مؤثراً في النزاعات، لما تملكه من قدرة على النفاذ السريع والتأثير المباشر.

ويستخدم الإعلام السياسي أساليب متعددة للتأثير، مثل التنشئة السياسية، والتسويق السياسي، وصناعة الصور الذهنية، وأحياناً التلاعب بالمعلومات عبر تقنيات كغسل الأخبار، والاغتيال المعنوي، وإعدام الذاكرة، وهي ممارسات تؤكد أن الإعلام قوة خطرة بقدر ما هو قوة ناعمة.

الإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة، بل أصبح بيئة كاملة تصنع الواقع، وتعيد تشكيل الوعي، وتؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمات، وصناعة السياسة، وحسم صراعات المستقبل، ما يجعله أحد أخطر وأهم أدوات القوة الناعمة في عالمنا المعاصر.

00:05 | 1-01-2026

صفقة في واشنطن: رحلة من المستقبل ومعه... وإليه

في خضم أخبار السياسة وصفقات التسلّح التي عادةً ما تتصدّر العناوين عند أي زيارة رفيعة المستوى إلى واشنطن، برزت خلال الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي زاوية مختلفة أقل صخبًا وأكثر عمقًا: التكنولوجيا المتقدمة، وبالتحديد أشباه الموصلات (الرقائق). فبينما انشغل كثيرون بالحديث عن الطائرات المقاتلة المتقدمة مثل F-35 وما تمثّله من رمزية عسكرية، بدا أن «صفقة الرقائق» هي العنوان الأهم من حيث الأثر الاقتصادي والإستراتيجي طويل الأمد.

أهمية الرقائق لا تكمن في كونها منتجًا صناعيًا فحسب، بل لأنها المدخل الأساسي لكل ثورة تقنية معاصرة. فالرقائق هي قلب الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والصناعات الدفاعية المتقدّمة، والاقتصاد الرقمي عمومًا. ومن هنا، فإن أي تعاون أو استثمار في هذا المجال يتجاوز منطق الصفقات التقليدية إلى بناء قاعدة تكنولوجية قادرة على نقل الاقتصاد إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والتنافسية.

هذا الفهم ينسجم مع ما طرحه المفكر الاقتصادي الأمريكي روبرت سولو (Robert Solow) في نظريته الشهيرة حول النمو الاقتصادي. فقد بيّن سولو أن تراكم رأس المال – أي الاستثمار في المصانع والآلات – يساهم في النمو، لكنه يحقّق أثرًا مؤقتًا فقط. أما المحرك الحقيقي للنمو المستدام على المدى الطويل فهو التقدم التكنولوجي، لأنه يرفع كفاءة العمل ورأس المال معًا ويخلق قيمة مضافة لا يمكن بلوغها بالوسائل التقليدية.

تاريخ الاقتصاد العالمي يدعم هذا الطرح بوضوح. فبعد الحرب العالمية الثانية شهدت الدول الصناعية طفرة نمو غير مسبوقة، لم تكن نتيجة إعادة الإعمار فقط، بل نتيجة الانتشار الواسع للتقنيات الجديدة في الصناعة والنقل والإنتاج. ويعبّر عن هذه المرحلة – ولو بصورة ثقافية رمزية – فيلم بريطاني شهير من عام 1963 هو Summer Holiday، حيث يظهر عمال وميكانيكيون قادرين على قضاء عطلة صيفية، في دلالة على تحسن مستويات المعيشة واتساع الطبقة الوسطى بفضل التقدم الصناعي والتقني.

كما تقدّم كوريا الجنوبية مثالًا حيًا على قوة التكنولوجيا في تغيير مصير الدول. فمن دولة محدودة الموارد في ستينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى قوة صناعية وتقنية عالمية عبر الاستثمار المكثف في التعليم، والتصنيع المتقدّم، ثم لاحقًا في أشباه الموصلات والإلكترونيات.

انطلاقًا من هذا السياق، يمكن فهم صفقة الرقائق – أو التعاون في هذا المجال – على أنها استثمار في المستقبل لا يقل أهمية عن أي صفقة عسكرية. فهي تمثّل رهانًا على بناء اقتصاد معرفي قادر على تحقيق نمو مستدام، وهو تمامًا ما أكده سولو: التكنولوجيا ليست عنصرًا مساعدًا للنمو، بل هي جوهره الحقيقي.

00:02 | 25-12-2025

هذا هو اقتصاد المستقبل ونفط السعودية الجديد

لم يكن الحديث عن السياحة مجرد طرح عابر، بل كان رحلة نحو المستقبل، مستقبلٍ نراه يتشكّل أمام أعيننا مع رؤية ولي العهد التي لا تتوقف عن دفع المملكة نحو آفاق جديدة. الأهداف أصبحت واضحة، فالسعودية تتجه بثبات نحو مستقبل آمن وقادر على مواجهة أي تقلبات اقتصادية عالمية، مستندة إلى رؤية عميقة لموقعها وقدراتها.

تتقدّم الرياض اليوم لتأخذ مكانها الطبيعي بين أهم عشر مدن في العالم. فالعاصمة التي بُنيت لبنة فوق أخرى طوال نصف قرن من قيادة الملك سلمان- باعتباره «أمير التنمية»- أصبحت مدينة عالمية بمعايير البنية التحتية والاستعداد للنمو. الرياض التي نعرفها اليوم تمتلك من الإمكانات ما يجعلها مؤهلة لاحتضان مشاريع نوعية ضخمة، وقادرة على استيعاب الزيادة السكانية، مقارنة بمدن كثيرة حول العالم لا تملك هذا الأساس المتين.

إن دخول الرياض إلى نادي المدن العالمية الكبرى ليس مجرد لقب، بل إعلان مرحلة جديدة تكون فيها المدينة محرّكاً أساسياً للاقتصاد الوطني.

هذا التحوّل يحمل معه فرصاً استثمارية واسعة، ووظائف نوعية، ومناخاً اقتصادياً سيصب في مصلحة جميع مدن المملكة، من خلال تدفق رؤوس الأموال وخلق منظومة اقتصادية متنوعة.

الرؤية اليوم واضحة: المملكة قادرة على العيش والتكيّف مع كل المتغيّرات. فليس النفط وحده من سيبني المستقبل، بل تعدد المبادرات التي تمزج بين العلم والفرص العالمية، وتستفيد من المزايا الضخمة التي تمتلكها السعودية في مواردها وموقعها وقدرات شبابها.

ويأتي صندوق الاستثمارات العامة ليكون المحرك العملي لهذا التحوّل، فهو يوفر أهم ما تحتاجه الدول للسير نحو الريادة: مناخ ملائم للكفاءات وللمشاريع وللمنتجات لتتحوّل إلى كيانات اقتصادية ضخمة. فجوهر التنمية لا يكمن فقط في المال، بل في البيئة التي تمكّن روّاد الأعمال والمبدعين من تحويل أفكارهم إلى استثمارات حقيقية.

في ظل التغيّرات العالمية المتسارعة، نرى كيف أصبح النفط عنصراً متراجعاً في المعادلة الاقتصادية الدولية، مع توجه الصناعات نحو الكهرباء والطاقة النظيفة. لم يعد الاعتماد على النفط خياراً آمناً للمستقبل، ولذلك تستعد المملكة لهذا التحوّل بشكل مبكر، مستفيدة من فرص هائلة تعهدت رؤية 2030 بتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة.

ومن بين تلك الفرص، تبرز السياحة بوصفها «نفط السعودية الجديد». فالمملكة اليوم تقدّم مناخاً استثمارياً آمناً وموثوقاً، تحكمه قواعد الحوكمة ومكافحة الفساد، مما يجعل الاستثمار في السياحة وغيرها من القطاعات غير النفطية خياراً جذاباً وعالي الجدوى.

إن السعودية تسير بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستقبل مستدام، والرياض ستكون في قلب هذا التحوّل، مدينة عالمية تقود اقتصاداً عالمياً ناشئاً من أرض الفرص.

00:01 | 18-12-2025

العالم يتغيّر.. من ليفربول إلى جاكيت بوتين..!

قال بول ماكارتني، ركن فرقة البيتلز الركين: «ماذا لو علم والدي في ليفربول، حين منعني من الغناء، أن بوتين سيحضر حفلتي، وأنني سأغنّي في الساحة الحمراء في موسكو؟»

ويُروى أنه في تلك اللحظة انسلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين الحضور، فقال ماكارتني ضاحكاً: «رحِّبوا معي بالشخص الذي يلبس الجاكيت والذي انضم لنا مؤخراً!».

كانت تلك اللحظة الطريفة أكثر من مجرد تعليق عابر. فقد حملت رمزاً واضحاً على تغيّر وجه العالم، وتحوّل مركز الجذب من معسكرٍ اشتراكي مغلق إلى فضاء رأسمالي منفتح. فروسيا التي كانت يوماً أيقونة الشيوعية ومركز المعسكر الشرقي أصبحت اليوم أقرب للنموذج الرأسمالي من دول كثيرة كانت تنتقده. مشهد ماكارتني وهو يغني في الساحة الحمراء، بينما يقف بوتين بين الجمهور، ليس مجرد حدث فني، إنه تعبير عن رحلة طويلة قطعها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد شهدت العقود الأخيرة تغيّراً هائلاً في موازين القوى الاقتصادية والفكرية. فالنظام الشيوعي، الذي اعتمد لسنوات على مركزية صارمة وقمع لكل أشكال المبادرة الفردية، وجد نفسه عاجزاً عن مواكبة التطوّر التكنولوجي والاقتصادي الذي انفجر في الغرب الرأسمالي. فالاقتصاد المقيّد بالخطط الخمسية والقرارات المركزية لم يستطع إنتاج بيئة ابتكار أو منافسة، وهو ما أدّى إلى تراجع الإنتاجية وتآكل القدرة على التطوّر.

وعلى الجانب الآخر، واصل النموذج الرأسمالي تحقيق قفزات مهمة بفضل ما يتيحه من حرية للحركة الاقتصادية، وتشجيع للمبادرة الفردية، واستقطاب للاستثمارات. ومع الوقت، باتت الرأسمالية تُقدَّم بوصفها بوابة الازدهار والتنمية، حتى لدى الدول التي كانت تعلن عداءها لها في السابق.

وتبرز الصين مثالاً صارخاً على هذا التحوّل. فهي لا تزال تحمل راية الحزب الشيوعي، لكنها في الواقع تطبّق شكلاً متقدّماً من «رأسمالية الدولة»؛ اقتصاد سوق ضخم يتحرك تحت إشراف حكومي لكنه يعمل بآليات تنافسية واضحة. لقد أدركت بكين أن التحرر الجزئي للسوق ضروري للنمو، ففتحت الباب أمام الاستثمار، والصناعة التصديرية، والتكنولوجيا. والنتيجة كانت واحدة من أسرع تجارب النمو الاقتصادي في التاريخ.

أما روسيا، فقد انتقلت بدورها من اقتصاد مركزي مغلق إلى اقتصاد يعتمد على الخصخصة والانفتاح التجاري. صحيح أن المسار لم يكن سهلاً ولا خالياً من التحديات السياسية، لكنه أسّس لواقع جديد يجعل موسكو أقرب إلى اقتصاد رأسمالي منها إلى إرثها السوفييتي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيّر اقتصادي، بل تحوّل فكري وثقافي في نظرة الدول إلى التنمية. فالشيوعية، رغم شعاراتها الاجتماعية، قيّدت النمو وضيّقت آفاق الابتكار، بينما فتحت الرأسمالية- بتنوع نماذجها- أبواباً واسعة للتقدّم.

وهكذا، من ليفربول إلى جاكيت بوتين، تتجسّد قصة عالم يعيد تشكيل نفسه، عالم أدرك أن ازدهاره يبدأ حين يتحرر من القيود، وينفتح على الممكن.

00:00 | 11-12-2025

في البحرين.. «قمة الوحدة» وسط انقسامات إقليمية   

تعقد دول مجلس التعاون الخليجي قمتها في البحرين هذا العام في لحظة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية، وفي بلد عُرف تاريخياً بقدرته على التوفيق وتذليل الخلافات وصياغة الحلول الهادئة. وبين آخر قمة حضرتها في المنامة قبل 15 عاماً وعودتي اليوم، يتأكد أن ثبات هذا المجلس، وهو يقترب من عامه الـ50، ليس أمراً عابراً، بل تعبير عن إرادة سياسية راسخة في البقاء إطاراً موحداً رغم تغيّر الظروف وتعدّد الضغوط.

تنعقد القمة في وقت تتشابك فيه الأزمات من شمال المنطقة إلى شرقها وغربها، وتتقاطع مصالح القوى الدولية على أرض الشرق الأوسط. ورغم ذلك، أثبتت دول الخليج خلال العقد الأخير أنها انتقلت من موقع المتلقي للتطوّرات إلى موقع الفاعل المؤثر القادر على صياغة المبادرات وبناء الاستقرار. وقد عزّزت سياساتها الخارجية الأكثر استقلالية هذا الدور، خصوصاً مع تراجع مستويات الاعتماد التقليدي على القوى الكبرى في إدارة الأمن الإقليمي.

ويبرز في هذا السياق التحوّل الأعمق في مفهوم الأمن الخليجي نفسه. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن التهديدات العابرة للحدود -من الهجمات السيبرانية إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة- لا يمكن التعامل معها بمنظور وطني ضيق، بل بمنظور جماعي يعتمد على منظومة ردع مشتركة. وهنا يصبح توحيد الرؤى داخل مجلس التعاون ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية لضمان فعالية الردع وتعزيز الحماية الإقليمية.

كما تواجه دول الخليج اليوم تنافساً استثمارياً دولياً متجدّداً على المنطقة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. هذا التنافس منح الدول الخليجية هامشاً واسعاً للمناورة، لكنه في المقابل يفرض عليها قراءة متسقة لهذا المشهد الدولي حتى لا تتحوّل الاختلافات في السياسات الخارجية إلى نقاط ضعف تستغلها القوى المنافسة. فالمطلوب ليس التطابق في المواقف بقدر ما هو انسجام في الرؤية الاستراتيجية يضمن الحفاظ على استقلالية القرار الخليجي.

وتتزامن هذه التحوّلات مع تغيّرات كبرى في أسواق الطاقة العالمية. فالانتقال التدريجي نحو الطاقة النظيفة يفرض على دول الخليج إعادة تعريف موقعها الاقتصادي، وهو ما يفسّر إعلان الأمين العام للمجلس السيد جاسم البديوي عن طموح الدول الست لأن تكون «عاصمة للذكاء الاصطناعي». فالذكاء الاصطناعي هنا ليس مشروعاً تقنياً فقط، بل خيار استراتيجي لتحويل القوة الخليجية من قوة تعتمد على الموارد الطبيعية إلى قوة تعتمد على المعرفة والابتكار، بما يضمن استمرار نفوذها في عالم يعاد تشكيله.

إن قمة البحرين، بكل معانيها، ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل اختبار لقدرة مجلس التعاون على المواءمة بين تحديات الداخل وتحوّلات الخارج. وإذا نجحت في تعزيز التنسيق السياسي، وتوحيد الرؤية الأمنية، ومواصلة التحوّل نحو اقتصاد المستقبل، فإنها ستؤسّس لمرحلة خليجية جديدة أكثر وحدة وتأثيراً واستقراراً.

00:21 | 4-12-2025

القيصر كان يريدكم أن تسمعوه.. اسمعوووه!

يكشف التبدّل الأخير في الموقف الأمريكي تجاه الحرب الروسية - الأوكرانية لحظةً واقعيةً سياسيةً نادرةً، لحظة تدرك فيها واشنطن – ولو متأخرة – طبيعة الدول الكبرى، وحجم نفوذها، وعمق مصالحها الاستراتيجية. فما استوعبه دونالد ترمب، على خلاف معظم قادة أوروبا، هو أن موسكو لن تقبل بأي حال من الأحوال أن يستمر تمدد حلف الناتو إلى حدودها المباشرة. فحدود الأمن القومي الروسي، كما يراها الرئيس فلاديمير بوتين، خطوط حمراء لا يمكن المساس بها، خطوط سيدافع عنها بالحديد والنار، دون تردد أو حسابات تجميلية.

الدول الكبرى لا تتعامل مع أمنها القومي كوجهة نظر، بل كقانون كوني ثابت. والتاريخ الطويل للعلاقات بين موسكو وواشنطن يكشف أن الخلاف والصدام لا يمنعان العقلانية من الظهور حين تقتضي الضرورة ذلك. فلكل منهما مجالات نفوذ وحدوداً استراتيجية لا يمكن السماح بتجاوزها. وما إن تتجاوز حركة سياسية أو عسكرية الحدّ المتفق عليه ضمنياً، حتى تصبح إعلان حرب قد تتدحرج إلى ما لا يمكن توقّعه.

ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما حدث خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. في تلك اللحظات التي كان فيها العالم يحبس أنفاسه خشية خطأ واحد يحوّل الكوكب إلى رماد، حافظ الرئيس الأمريكي جون كينيدي ونظيره السوفيتي على قناة تواصل مفتوحة، يتبادلان من خلالها المعلومات حول أماكن الصواريخ وتحركاتها. لقد أدرك الطرفان أن تجاوز الحدود الاستراتيجية الكبرى ليس خياراً، وأن الحفاظ على توازن الرعب ضرورة وجودية لا مجال للمغامرة فيها.

اليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصورة جديدة. فخطة ترمب، أو ما يُنسب إليه من توجّه لإعادة تقييم الدور الأمريكي في الحرب الأوكرانية، تعكس استيعاباً لتلك الحقيقة القديمة: هناك حدود لا يمكن للدول الكبرى القفز فوقها في تعاملها مع بعضها البعض. أي تهاون في فهم هذه المعادلة قد يجر العالم إلى نزاع أكبر بكثير مما نراه اليوم، خصوصاً في حقبة العولمة حيث باتت «العطسة الشرقية تمرض أهل الغرب»، كما أثبتت جائحة كورونا عندما هزّت كوكباً بأكمله انطلاقاً من بؤرة صغيرة.

وإذا لم تُستوعَب المصالح الروسية على نحو واقعي، فقد يستيقظ في داخل «القيصر» جرح الاتحاد السوفيتي القديم، ويرى نفسه مدفوعاً – أو مضطراً – إلى استعادة ما يراه حدوداً تاريخية لدولته.

بوتين، كما يبدو، لا يزال يحمل جرح انهيار الاتحاد السوفيتي في قلبه. وهو جرح لم يندمل، ولن يسمح – من وجهة نظره – بأن يتكرر خطأ التاريخ مرتين، مهما كلّف ذلك من أثمان. ولذلك.. كان يريدكم أن تسمعوه. اسمعوووه.

00:15 | 27-11-2025

العلاقات السعودية الأمريكية… تحالف الأقوياء

أعادت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، ولقاؤه بالرئيس دونالد ترمب، صياغة النقاش حول طبيعة العلاقة بين الرياض وواشنطن، ودفعت كثيرين إلى إعادة التفكير في المفاهيم الساذجة التي ترى العلاقات الدولية من منظور «البيع والشراء». فقد تكرّر السؤال الشعبي المضحك: بكم اشترينا أمريكا؟، وهو سؤال يكشف مقدار الفجوة بين الخطاب الإعلامي العاطفي وبين الواقع الذي يشرحه علم الاقتصاد السياسي ونظريات العلاقات الدولية.

فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بحجم التصريحات ولا بمن يستعرض أكثر على المنابر. الاقتصاد الحديث، من آدم سميث إلى روبرت كيوهان، يوضّح أن الدول العظمى لا يمكن «شراؤها»؛ لأن حجم اقتصاداتها يجعل من أي صفقة مجرد نسبة هامشية في محيط هائل. فالاقتصاد الأمريكي، الذي يلامس اليوم حدود 28 تريليون دولار، أكبر من أن يتأثر بصفقات مهما بلغ حجمها، بل إن اقتصاد ولاية واحدة مثل تكساس يماثل اقتصاد دول صناعية كبيرة. ومن هذا المنظور، تبدو فكرة «شراء أمريكا» أقرب إلى المزحة الإعلامية منها إلى التحليل العلمي. ما حدث في الزيارة ليس عملية شراء، بل علاقة تبادل مصالح قائمة على تكامل القدرات بين دولة تملك ثروة واستقراراً وتحوّلات اقتصادية عميقة، ودولة تملك التقنية والصناعة والقدرة التكنولوجية الأكبر في العالم.

ومن زاوية الواقعية السياسية، وهي المدرسة التي تفسّر سلوك الدول وفق منطق القوة والمصلحة، فإن العلاقة بين الرياض وواشنطن هي علاقة تحالف عقلاني بين قوتين تسعيان، كلٌّ بطريقته، إلى تحقيق الأمن والاستقرار. فالسعودية لاعب محوري في أمن الطاقة العالمي وفي توازن القوى مع إيران، كما أنها قوة استثمارية صاعدة تبحث عن تنويع اقتصادها ضمن رؤية 2030. أما الولايات المتحدة فتحتاج إلى شريك مستقر في الشرق الأوسط، قادر على المساهمة في حفظ الاستقرار ومحاربة الإرهاب وتسهيل حركة التجارة والأسواق. في هذا السياق، يصبح لقاء ولي العهد بترمب تجسيداً لمعادلة «المصلحة المشتركة»، لا لمعادلة التبعية التي يروّج لها الخطاب المتطرف في بعض وسائل الإعلام.

أما من منظور الليبرالية الاقتصادية، التي ترى أن المصالح المتشابكة تقلل احتمالات الصراع وتزيد من التنمية، فإن الزيارة مثّلت لحظة نضج في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فالسعودية لا تبحث عن حماية، بل عن شراكات صناعية وتكنولوجية تعزز قدراتها المحلية، وتفتح لها أبواب الذكاء الاصطناعي والصناعات المستقبلية، فيما تحتاج الشركات الأمريكية إلى رأس مال طويل المدى يضمن استمرار الابتكار وتوسيع سلاسل الإنتاج. وهكذا تتحوّل الثروة السعودية والتقنية الأمريكية إلى منظومة تكامل اقتصادي تتجاوز حدود الصفقات الظرفية نحو هندسة المستقبل.

ولعل التغيّر الجذري في خطاب ترمب بعد دخوله البيت الأبيض يعكس ما أشار إليه الأمير بندر بن سلطان حين أوضح أن كل مرشح أمريكي ينتقد الخليج قبل وصوله إلى السلطة، ثم تتغير نظرته عندما يرى خرائط المصالح الأمنية والاستراتيجية. وهو ما ينسجم مع فكرة الواقعية الدفاعية التي تقول إن الوقائع الجيوسياسية تفرض نفسها على الخطابات الانتخابية مهما بلغت حدّتها.

لقد أثبتت الزيارة أن السعودية ليست دولة تبحث عن الاعتراف، ولا دولة «تشتري» نفوذاً، بل قوة إقليمية تفرض حضورها عبر رؤية اقتصادية واضحة وتحالفات عقلانية. كما أثبتت أن الولايات المتحدة، رغم قوتها، لا تستطيع تجاهل شريك بحجم المملكة في ملفي الطاقة والاستقرار. وفي النهاية، يتبيّن أن العلاقة بين البلدين ليست علاقة بيع وشراء، بل علاقة تقوم على مبدأ بسيط وراسخ: تحالف العقل والمصلحة.. لا العاطفة ولا التبعية.

00:04 | 20-11-2025